ابن الأثير

19

الكامل في التاريخ

فبينما هو على هذه الحال إذ قد فتح باب القلعة ، وخرج منه إنسان يطلب الأمان ليحضر ، فأجيب إلى ذلك ، فأذن له في الحضور ، فحضر ، وطلب الأمان لمن في الحصن حتّى يسلّموه إليه بما فيه على قاعدة درب ساك ، فأجابهم إلى ما طلبوا ، فعاد الرسول ومعه الأعلام الإسلاميّة ، فرفعت على رأس القلعة ، ونزل من فيها ، وتسلّم المسلمون القلعة بما فيها من ذخائر وأموال وسلاح ، وأمر صلاح الدين بتخريبه ، فخرّب ، وكان ذلك مضرّة عظيمة على المسلمين ، فإنّ ابن ليون صاحب الأرمن خرج إليه من ولايته ، وهو مجاوره ، فجدّد عمارته وأتقنه ، وجعل فيه جماعة من عسكره يغيرون منه على البلاد ، فأذّى بهم السواد الّذي بحلب ، وهو إلى الآن بأيديهم . ذكر الهدنة بين المسلمين وصاحب أنطاكية لمّا فتح صلاح الدين بغراس عزم على التوجّه إلى أنطاكية وحصرها ، فخاف البيمند صاحبها من ذلك ، وأشفق منه ، فأرسل إلى صلاح الدين يطلب الهدنة ، وبذل إطلاق كلّ أسير عنده من المسلمين ، فاستشار من عنده من أصحاب الأطراف وغيرهم ، فأشار أكثرهم بإجابته إلى ذلك ليعود الناس ويستريحوا ويجدّدوا ما يحتاجون إليه ، فأجاب إلى ذلك ، واصطلحوا ثمانية أشهر ، أولها : أوّل تشرين الأوّل ، وآخرها : آخر أيار ، وسيّر رسوله إلى صاحب أنطاكية يستحلفه ، ويطلق من عنده من الأسرى . وكان صاحب أنطاكية ، في هذا الوقت ، أعظم الفرنج شأنا ، وأكثرهم ملكا ، فإنّ الفرنج كانوا قد سلّموا إليه طرابلس ، بعد موت القمص ، وجميع أعمالها ، مضافا إلى ما كان له ، لأنّ القمص لم يخلّف ولداً ، فلمّا سلّمت إليه طرابلس جعل ولده الأكبر فيها نائبا عنه .